الثلاثاء، 2 صفر، 1433 هـ

كل هذا .. من أجل جملة !!

مقالة عن قيمة العلم بعنوان :

كل هذا .. من أجل جملة!!

 في كل يوم يفتح الطالب كتابه ليستذكر بعض المعلومات .. أو يفتح مذكراته الدراسية ليسجل بعض الملاحظات ، هذا في حالة المجتهدين أو ما نسميهم (بالدوافير) !!

 ويغلب على بقية الطلاب أن يفتحوا كتبهم ، ويراجعوا دروسهم قبل الإمتحانات بأيام قليلة .

وبعد انتهاء الإمتحانات .. تُرفع الكتب والمذكرات فوق أرفف المكتبات ، حتى يعلوها الغبار .. ولا نعود إليها إلى أن يحين موعد الإختبارات التالية.

هذا ما يحدث عادة في مجتمع الطلاب ، سواءاً كانوا مبتعثين في الخارج أو دارسين في الوطن .

ولا أخفيكم سراً بقولي أنني واحد من هذا المجتمع ، وينطبق عليّ ما ينطبق على جميع الطلاب مما ذكرت آنفا .

لكن حصل لي موقف قريب .. غير تعاملي مع الكتب ، ونظرتي للمعلومات ، تغييرا جذريا .. تجاوز المائة والثمانون درجة !!

 حدث هذا الموقف أثناء رحلتي الميدانية لبحث الدكتوراه في موسم الحج .

بداية الموقف كانت بجملة عابرة خرجت من صديقي بعد أن أعياه التعب والإنهاك .. قالها وهو يرمي بجسده في فراشه داخل خيمتنا .. قالها بنبرة المازح والمتهكم (دحين كل هذا .. عشان معلومة يمكن ما تتعدى جملة واحدة في كتاب !!)

 حينها توقف جسدي في مكانه .. وانطلق ذهني في رحلة سريعة للماضي يراجع فيها ذكرياااات دراسية طوييييلة ..

 ابتداءاً من سنوات المرحلة الإبتدائية الست ..

 مروراً بست سنوات أخرى في المتوسطة والثانوية ..

 ثم سنوات الطب الست ، وما أدراك ما سنوات الطب (فالطب مطب .. من طب فيه فقد طب) كما قلت في المثل العربي الأصيل حينما خطوت بأقدامي أولى خطوات الطب .. هذه عدا سنة الإمتياز (السنة السابعة الكبيسة) ..

 وبعدها سنتي الماجستير .. وها أنا الآن على بداية أعتاب مرحلة الدكتوراه ..

سنوات طويلة مرّت من عمري .. يا ترى ، كم من الجُمل والصفحات والكتب العلمية التي مرّت عليّ في تلك السنين ؟؟

 ما هي قيمتها ؟؟ وكيف جمعها العلماء ؟ وكم من الجهد والمال والوقت قد بُذل من أجل أن تخرج لنا هذه المعلومات بهذا الوضوح .. لنقرأها بسيطة صافية نقية كنقاوة الماء الذي نشربه .. وهنا تذكرت جدتي حينما تدعو لنا دوماً في أيام الإمتحانات فتقول ببساطتها المعتادة (الله يجعله لكم كما الماء) .. يعني سهلاً صافيا وواضحاً ، لا لبس فيه و لا تعقيد و لا تكدير .

ثم ذهب بي ذهني إلى أبعد من هذه الذكريات الدراسية .. حتى لكأنه قفز بسرعة البرق .. ممتطيا آلة الزمن إلى الوراء ..

وفجأة توقف !! فإذا أنا في مدينة صغيرة بعيدة .. وإذا برجل وقور مهيب ، يمشي متكئا على عصاه .. يقصد منزلا في أسفل الطريق .. تبدو عليه آثار التعب والضيق ..

أتدرون من هذا ؟ إنه الإمام البخاري رحمه الله صاحب أصح كتاب في الحديث .. جاء لهذه المدينة مسافراً قرابة شهر كامل (بدون سيارة أو طيارة) !!

قطع كل هذه المسافات ، ليحصل على معلومة واحدة .. على حديث قيل أن هناك رجلا يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فلما وصل البخاري دار هذا الرجل .. وجده ينادي على فرسه وهو رافع ثوبه ، كأنه يحمل معه في حجره شيئاً .. فلما وصلت الفرس أمسك بها ، وفتح حجره فإذا به خالياً !!

وحينما رأى الإمام البخاري رحمه الله هذا المنظر .. دُهش ، ورجع من حيث أتى .. رجع مسيرة شهر كامل آخر !!

 ولم يرو عن هذا الرجل الذي كذب على فرسه ، خشية أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأمضى البخاري رحمه الله بهذا سفراً طويلاً يزيد عن الشهرين .. مع ما في ذلك من التعب والإنهاك والمخاطرة والجهد والمشقة .. من أجل أن يخرج بجملة واحدة ..

 (هذا حديث غير صحيح !!) .. فما أغلاها من جملة .. وما أعلاها من همة ..

عدت بعد ذلك لخيمتي .. وعاودت النظر لزملائي في البحث .. فإذا هم مرهقون جداً ، وأجسادهم لا تكاد تحملهم .

و سأقرّب لكم صورة هذا الجهد الذي بُذل في بحثنا .. لتعيشوا معنى جملة صديقي حينما قال (كل هذا !!) ..

 كل هذا بدأ قبل سنة تقريباً ..

 كانت فكرة البحث تدور حول معرفة السبل الأفضل للوقاية من الأنفلونزا والأمراض الصدرية المعدية والحد من انتشارها بين الحجاج في موسم الحج .

وقد تبلورت فكرة البحث بعد جهد ذهني كبير ، ووقت طويل في العصف والتفكير .. ومراجعة أكثر من سبعين بحثا ودراسة تتعلق بصحة الحجيج .

ثم كان الجهد العلمي في إيجاد الطرق والوسائل العلمية الصحيحة لوضع آلية عمل الدراسة ونوعية الأدوات العلمية المثلى للإجابة على تساؤلات البحث .. كل ذلك تم مع نخبة من الأساتذة والمشرفين من كلية الطب بجامعة سيدني .

بعد ذلك انتقلنا لمرحلة عظمى .. ألا وهي مرحلة المراسلات والتنسيق والمتابعات مع الدوائر الحكومية المختلفة (يعني اشتغلنا معقبين) في أستراليا والسعودية ، ما بين وزارة الصحة في ولاية نيو ساوث ويلز .. والملحقية الثقافية ، والسفارة السعودية في دولة أستراليا .. ووزارة التعليم العالي بالسعودية ، ووزارة الصحة ، ووزارة الحج ، ومعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج ، والشئون الصحية بالعاصمة المقدسة ، والهيئة التنسيقية لمؤسسات أرباب الطوائف ، ومؤسسة حجاج مسلمي تركيا وأمريكا وأوروبا وأستراليا ، والهيئة العامة للغذاء والدواء ، ومصلحة الجمارك ، ووو .... إلى آخر ذلك .

 ولا أكتمكم سراً إن قلت لكم أن هذه المرحلة قد تكون من أشد المراحل تعباً وجهداً وإنهاكاً وتعقيداً .. حتى أنني أصبت في تلك الفترة بمرض القولون العصبي ، ومرض الحمبتري (اسألوا أهل مكة عنه!!) .

وأخيراً وليس آخراً .. كانت مرحلة العمل الميداني .. والجهد البدني ، في متابعة الحجاج وفحصهم طبياً .. وأخذ العينات ممن ظهرت عليه أعراض الأنفلونزا .

وكان جهداً بدنياً كبيرا .. حيث كان معدل المشي والتنقل على الأقدام يستغرق منا حوالي 6 – 8 ساعات يوميا !! حتى أننا بالكاد نجد وقتا لتناول الطعام أو شرب الماء .

أما معدل النوم .. فكان ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا فقط .. ولا تسأل عن مكان النوم ، أو كيفية النوم ؟! (خلي الطابق مستور) .

أما باقي الأوقات ، فنكون مع الحجاج .. ما بين فحص مريض .. ومتابعة آخر ، وأخذ عينات من هذا .. وشرح طريقة العلاج لذلك .. طيلة أيام الحج .

سبع أيام كانت عجاف من الأكل والماء والراحة .. لكنها سبع سمان بالأجر والعلم والطاعة ..

 كل هذا .. كما قال صاحبي ، من أجل جملة ..

 جملة واحدة فقط .. قد تراها بعد ذلك أيها القارئ العزيز في كتاب أو ورقة علمية ..

كل هذا .. لنقول للناس جملة واحدة .. ( إن الكمامات تقي بإذن الله من انتشار عدوى الأنفلونزا بنسبة كذا .. ) ..

أو قد تكون هذه الجملة كالتالي .. ( للأسف .. لم تثبت فاعلية الكمامات في الوقاية من عدوى الأنفونزا في الحج ) ..

كلا الجملتين صغيرة .. لكن الجهود التي بذلت لصياغتها كبيرة ..

وبعد هذه التجربة الثريّة النديّة .. صرت أقدّر كل جملة أو معلومة أقرؤها في كتاب أو بحث علمي .. فهل ستقدرها أنت ؟؟!!

ختاماً .. أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم العلم النافع .. والعمل الصالح ..

وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم .. إنه سميع مجيب .




 وكتبه :
د. أسامة بن عبدالله بارشيد
أخصائي الصحة العامة وطب المجتمع
طالب دكتوراه في جامعة سيدني – أستراليا
 الاثنين غرة صفر 1433 هـ